كيف أُربي طفلي تربية إسلامية

اهتم الدين الحنيف بمسألة تربية الأطفال تربية إسلامية صحيحة، وسعيًا لإثبات وتفصيل أسس وقواعد ومآرب ومشارب الدين الإسلامي في هذا الجانب صنَّف العلماء التصانيف وعنونوا الأبواب والمباحث.

فمسألة التربية الإسلامية وفق الشريعة الإسلامية ليست هامشًا من هوامش الشريعة، ولا قشرًا على لُباب، ولا دربًا من دروب الفضيلة، بل يُمكن اعتبارها أصلًا متجذِّرًا في العلوم الشرعية.

مناط التربية الإسلامية

كيف أُربي طفلي تربية إسلامية (4)

لا يُناط بالتربية في الإسلام مجرد إعدادٍ جيلٍ يحمل صفة مسلم وثائقيًا، أو تنشئة جيل ذو سمت ظاهري إسلامي مُكتسب بالوراثة أو بالإملاءات عن غير وعي.

بل تهدف التربية الإسلامية إلى إعداد المسلم إعدادًا كاملًا في جميع مناحي الحياة، حتى إن اهتمام الشارع بتربية الأولاد تعدى مرحلة تجهيز الأبناء لمخاض الدنيا ومعتركها إلى إعدادهم للحياة الآخرة أيضًا.

لذلك حين عُرِّفت التربية الإسلامية على أنها صياغة مُتكاملة للفرد – ومن ثَم المجتمع – وفق شرع الله لم يكن التعريف نوعًا من التفخيم أو التهويل الأجوف، لأن الحقيقة الواقعية هي ذلك تمامًا.

فبناءً على المقصود من صياغة الفرد نجد أن التربية الإسلامية لا محدودة المناحي والجوانب، فهي تتضمن التربية الروحية، الأخلاقية، الجسمية، العقلية، النفسية، الاجتماعية وحتى التربية الجنسية والتربية الظاهرية المهتمة بنظافة الطفل وشكله.

يرجع اهتمام الشرع بالتربية الإسلامية للطفل ينبع من كونه اللبنة الأولى للمجتمع، لذا إن صلاحه واستقامته عائدة بالجدوى والأفضلية على المُجتمع ككل لا محالة.

وكما أن البناء الخرساني يعوزه هندسة وتخطيط وموازنة ليرتفع ويتعاظم؛ فإن تربية الطفل من المنظور الإسلامي ومناطه هي الأخرى تحتاج إلى:

  • الموازنة بين طاقات الطفل ورغباته مع جعل الشريعة الإسلامية هي الإطار الحاكم للتصرفات والممارسات.
  • توفير التربة الصالحة والبيئة الخصبة التي يترعرع فيه الطفل سليمًا مُعافًا وصاقلًا لمواهبه وموظِّفًا لقدراته.
  • تنقية موارد الثقافة والعلوم من شوائب عبث التفكير البشري، وجعل نصوص الإسلام هي حائط الصد ومرجع النظريات البشرية حيث يعتمد قبولها أو رفضها وفق ما تُجيزه النصوص أو تُحرِّمه.

ركائز التربية الإسلامية للطفل

كيف أُربي طفلي تربية إسلامية (2)

تحقيق مناطات التربية الإسلامية للأولاد ليس بالأمر الهين، كما أنها لن تتحقق إلا اعتمادًا على دعائم أساسية قد حُددت في الشرع أيضًا، بل إن الإسلام اهتم بالتأكيد على أن بعضٍ من تلك الركائز لا بد وأن تتوفر حتى من قبل الزواج، وكيف لا؟!، وقد جعل الله من الولد الصالح امتدادًا لعمل والديه في الدنيا يُكْسَب به الأجر.

ومن مجمل ركائز التربية الإسلامية الصحيحة التي نُصَّ عليها:

الاختيار السديد

فلا يُمكن الجزم بتنشئة الطفل وتربيته تربية صحيحة ما لم يختار المسلم وتختار المسلمة للأبناء الطرف الآخر الذي يُقدر الله حق قدره، والذي يُعظم شعائر الله، ويتمسك بطاعات الله ويفر من معاصيه، فضلًا عن المعرفة الكاملة برسالته في الحياة إجمالًا، وبرسالته ودوره مع ذريته وأهل بيته بشكلٍ خاص، فما لم يكن الأبوين متبعين لدين الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وغيورين عليه؛ لن يتربى أبناءها التربية الإسلامية الصحيحة.

تجدر الإشارة إلى أن أسس اختيار الأزواج والزوجات المُعتَمَدة في الوقت الراهن لا تُبشر بالخير للأجيال القادمة من حيث التربية، فقد حثت السنة المُطهرة على الظفر بذوات الدين وتزويج من نرضى دينه وخلقه، غير أن الحاصل الآن – إلا من رحم ربك – هو الاختيار بناءً على العصبية القبلية أو على أساس التكافؤ المادي أو التعليمي، وكلها مفاهيم ما أنزل الله بها من سلطان، وباتت كالسوس ينخر في عظام المُجتمعات المُسلمة، وهي الأسباب المُباشرة في تفشي ظاهرة الطلاق وانهيار الأُسر أخلاقيًا واجتماعيًا.

طيب المأكل والمشرب

ما لم يكن مأكل الأسرة ومشربها وكافة لوازمها من المال الطيب الحلال؛ فلن يتربى الأبناء تربيةً إسلاميةً حقيقيةً، فالأبناء يتشربون طباع ومفاهيم ذويهم، فما إن لمسوا منهم استهانةً بأكل الحرام؛ حذو حذوهم وانتهجوا سبيلهم.

ومن ثَم لا عجب أن يُنجب السارق سارقًا أو المرتشي مرتشيًا، علمًا بأن تورية الوالدين سبل كسب الرزق والإعاشة لا يُعني أن الأبناء في مأمنٍ من التحلي بذميم الأخلاق، فقد يُعاقب الله الوالدين في الدنيا بسوء تربية أبناءهم معهم ومع غيرهم.

الدعاء

كيف أُربي طفلي تربية إسلامية (2)

الحياة الأُسرية برمتها في علم الغيب ولا علم مستقبل أفرادها إلا الفتاح العليم، ومن ثَم التوجه نحو تنشئة الأبناء وفق التربية الإسلامية يعوزه طلب العون والمساعدة، ولا أقدر على ذلك من المولى جلّ شأنه وعلت قدرته، فكما أنه الوحيد العالم بمستقبل الأبناء فهو أيضًا سبحانه القادر إنباتهم نباتًا طيبًا.

ومن ذلك لا يُستغرب حث السنة النبوية المطهرة على ترديد أذكار البناء والجماع قبل البدء، ولهذا جاءت بصيغة الدعاء طلبًا لعون الله في تجنيب الأسرة والذرية مكائد الشيطان نظرًا لدورها في حيد الابن أو الابنة عن أخلاق الإسلام.

للمرء من اسمه نصيب

يُعد تشديد الشرع الحنيف على اختيار الاسم الحسن للمولود من حقوق الطفل وركائز التربية الإسلامية، فأكم من أبناء كرهوا آبائهم وصدوا تربيتهم ونصائحهم لبشاعة اختيارهم للأسماء.

التربية العملية أولى

الطفل يتعلم من محيطه سمعيًا وبصريًا بصورة أعظم من تعلمه من مما يُملى عليه من توجيهات ونصائح، لذلك جُعل من ركائز التربية الإسلامية تأسيس البيت المسلم الذي يُراعي فيه الكبير والصغير أخلاقه وآدابه.

فالبيت الذي لم يُؤسس على تقوى الله ولا تُراعى فيه حُرمات الله وتملأه الملهيات والموبقات عبارة عن منبت لبذئ القول وفواحش الأفعال، والطفل يُقلد كل ذلك ويختزنه في ذاكرته، بينما البيت المُسلم المُشيد على المفاهيم الصحيحة عقديًا وتعبدبًا للدين الإسلامي يؤسس لجيل من الأبناء أصحاب تربيةٍ إسلاميةٍ خالصة.

قد يهمك أيضًا: كيف أنهي تعلق طفلي بالتلفاز والأجهزة الذكية

أخطاء تربوية قاتلة

كيف أُربي طفلي تربية إسلامية (4)

في خضم الاهتمام والحماس بتنشئة الأطفال وفق قواعد التربية الإسلامية الصحيحة قد يقع الوالدين في مجموعة من الأخطاء التربوية القاتلة والتي تنقلب نتائجها عكسيًا، لتصبح من وسائل التنفير والصد، بدلًا من أن تصبح سبيلًا للتقويم وتعديل السلوك والالتزام بالمنهج الرباني، ومن أبرز هذه الأخطاء:

  • فحش القول للأبناء في مواقف التربية، ولا نُعني استعمال الشتائم ومذمات القول فقط، بل يتضمن فحش القول من الدعاء على الأبناء والنصح بالقول وتهاون الناصح في تطبيق نصائحه على نفسه.
  • تغييب القدوات الصالحة عن مسارات التربية، فالأطفال مُقلدون بطبيعتهم، فما إن رأوا وسمعوا عن نماذج صالحة وناجحة اقتدوا، وإن تزاحم على بصرهم وسمعهم الفسدة وسيئوا السمعة كانوا هم القدوة والمثل الأعلى.
  • الضرب المُبرح والإهانة الشعورية، فحتى مع الوقوع في الخطأ لم يأمر الشرع بتكسير العظام، بل حث على استخدام التقويم البدني في محله وبالكيفية التي تُحافظ على النفس كأحد مقاصد الشريعة.
  • جعل الطفل طرفًا فاعلًا أو حتى مُتفرجًا في الخلافات العائلية بين الأب والأم، فهذا التصرف مِعول يهدم تربية وأخلاق الطفل من أساسها.
  • الفوضوية والتناقض في كل شيء مادي أو معنوي تؤدي بالطفل إلى التعود على الإهمال والكسل.
  • سَلْت اليدين وإلقاء أمر تربية الأطفال وتوجيههم على عاتق الخادمة.
  • عدم مُراقبة الأولاد وتصرفاتهم ورفقائهم وأصدقائهم خاصةً في مرحلة المُراهقة، ومنها عدم مُراقبة ما يُشاهدون ويسمعون على شاشات التلفاز والأجهزة الذكية الحديثة.
  • الإفراط في دلال الأطفال وتلبية كافة رغباتهم، حيث إنه خطأ تربوي يُنذر بأبناء ذو شخصياتٍ مُستهترة وفاقدة للمسئولية.
  • التعصب لأحد الأبناء دون الآخرين، وكذلك التعصب لأحد الجنسين دون الآخر.

قد يهمك أيضًا: مراحل تطور الطفل الطبيعي بعد الولادة من عمر اليوم إلى العامين

منهج التربية الإسلامية في تقويم السلوك

تعتمد التربية الإسلامية منهجًا اجرائيًا خاصًا في تقويم سلوك الطفل إذا ما حاد عن الطريق القويم، وتتمثل هذه الاجراءات في:

  • الاهتمام بالنقاش والحوار في إيضاح الالتباسات وتقويم الانحرافات وبيان الحسن من القبيح.
  • إرساء مبدأ الثواب والعقاب، فلا يُتصور أن صلاح الأبناء يقوم على العقاب فقط أو الثواب فقط، بل من يُحسن منهم يُجزى بالحسنى، ومن يُسئ يتحمل وزره، علمًا بأن التربية الإسلامية منضبطة الاجراءات في حالة العقاب، كما أنها تُلزم بتدريج العقاب وتقديره بقدر الجرم لا كما يتصور البعض بأن التربية في الإسلام تجعل الطفل من مُمتلكات الأبوين يفعلان فيه ما يُشبع غرائز الانتقام لديهم.
  • يعتمد منهج التربية الإسلامية الدعم النفسي والإصلاح الشعوري كأصل من أصول التربية، ويكفي أن التربية العقدية مفادها تنمية وجدان الطفل من حيث علاقته بالغيبيات.

ليس من المتصور أن يُملي أحدًا على الأبوين تصرفاتهم أمام أبناءهم كوسيلة لتعليمهم مبادئ التربية الإسلامية للأبناء، فما أيسر أن نقول افعلوا كذا وكذا من الفروض والصالحات أمام أطفالكم حتى يتربوا، ولكن ما لم يتشرب الآباء ماهية التربية الإسلامية ومقاصد الحاجة إليها، فلن تنفعهم ملء دفَّات الكتب حديثًا عن التربية.

للمزيد: الأطفال الرضع والتلفاز ومدى صحة تأثيره على ذكاء الطفل وتوحده

عدد ساعات النوم التي يحتاجها الطفل حديث الولادة

تعرفي على سبب بكاء الطفل أثناء النوم وعلاجه

قد يعجبك ايضا