متلازمة داون .. الأسباب والأعراض وعوامل الخطر والعلاج

لا يُمكن اعتبار متلازمة داون مرضًا من الأمراض المُزمنة التي تُصيب الأطفال وتُعالج فقط بالأقراص أو الحقن، فبالرغم من مُضاعفاتها الصحية الناتجة عنها، ولكن في النهاية لا تعدو كونها اضطرابًا يُعاني منه الطفل؛ فتتأثر أعضاءه الجسدية وقواه العقلية جراءه.

متلازمة داون ليست موضوعًا عابرًا؛ بل إنها ملف صحي مُتكامل تحتاج كل أسرة يُعاني أحد أفرادها منها إلى دراسته باستفاضة؛ بهدف تحسين جودة حياته؛ طالما أنها لا تُعالج بشكلٍ كامل، لذا تعرفوا معنا على مُتلازمة داون وأسبابها وأعراضها واختباراتها من خلال هذا الملف الشامل.

تعريف متلازمة داون

متلازمة داون .. الأسباب والأعراض وعوامل الخطر والعلاج

هي عبارة عن اضطراب ينتج عن عملية انقسام غير طبيعية في أنواع من خلايا جسم الطفل، الأمر الذي يتبعه حتميًا زيادة في النسخ الكلي أو زيادة في النسخ الجزئي للكروموسوم رقم 21.

الكروموسوم رقم 21 هو عبارة عن مادة وراثية، ما إن تزايد مستواها في جسم الإنسان حتى ينتج عن هذا التزايد مجموعة تغيرات صارخة في النمو والملامح الجسدية، وهذا ما يُفسر السمات الجسدية الخاصة بمُصابي مُتلازمة داون.

خصائص متلازمة داون

من بين أبرز خصائص المتلازمة أنها مُتفاوتة الشدة بين مُصاب وآخر، ولا حاكم أو رابط يسهُل معه توقع درجة شدتها عند طفل أو نظيره، ومع أقصى مراحل شدتها تتسبب بما لا يدع مجالًا للشك في إعاقاتٍ ذهنية وتأخرٍ في النمو، يستمر تأثيرهم ومداهم الزمني إلى آخر العمر.

الخلاصة، تُعد متلازمة داون أشهر وأخطر اضطراب في الكروموسومات الوراثية يتسبب في إعاقات ذهنية، إعاقات التعلم، علاوةً على ما يُصاحبها من مُضاعفاتٍ صحية وشذوذ طبي يظهر في صورة أمراضٍ مُختلفة أهمها اضطرابات وأمراض القلب واضطرابات وأمراض الجهاز الهضمي.

تكمن أهمية الحاجة إلى التعرف على خصائص مُتلازمة داون وفهمها فهمًا جيدًا في أن التدخل العلاجي المُبكر يؤدي لا محالة إلى استقرار الأوضاع الصحية ودحض المُضاعفات الصحية – أو على الأقل السيطرة عليها – وتحسين جودة ونوعية حياة المُصاب، وكلها نتائج تُساعد المُصاب على عيش حياة كريمة ومليئة بالتقدم والإنجازات العلمية والنفسية.

أعراض المُتلازمة

مُصاب المتلازمة عبارة عن شخص يُعاني من مُشكلاتٍ عقلية وأخرى نمائية، تتراوح حدتها ما بين الخفيفة إلى المُتوسطة إلى الشديدة، هذا من ناحية، أما من الناحية الصحية؛ فبعض المُصابين يتمتعون بصحة جيدة تمامًا، والبعض الآخر قد يُعاني – بجانب المُتلازمة – من مُضاعفاتٍ صحية تتراوح بين البسيطة إلى الخطيرة بما فيها التشوهات الخطيرة بالقلب.

مما سبق يُمكننا القول بأن المُصابين باضطراب داون لا يشتركون ولا يتساوون في أعراضٍ مُعينة؛ فلكل له أعراضه الخاصة.

ومن جدير القول أن أطفال متلازمة داون – والبالغون أيضًا – يتميزون بنمط مُعين لملامح الوجه والجسم تُفرِّقهم عن غيرهم من الأسوياء، وحتى هذا النمط الخاص لا يشترك فيه جميع المُصابين باضطراب داون، فلا يمتلكون جميعًا نفس الملامح، ولكن البعض يتحقق فيه نمط ملامح الوجه والجسم بكل تفاصيله، والبعض يتحقق معه جزء من تلك التفاصيل. وأبرز الملامح بصفة عامة:

  • تسطح الوجه.
  • صغر حجم الرأس.
  • قِصر الرقبة.
  • بروز اللسان.
  • ميل الجفون إلى أعلى، أو كما يُطلق عليها الشقوق الجفنية.
  • غرابة شكل الأذنين، أو صغر حجمهما بشكلٍ لافت للنظر.
  • ضعف وتوتر العضلات.
  • قِصر كف اليد مع زيادة في العرض، بالإضافة إلى وجود تجعيد واحد به.
  • قِصر طول أصابع اليد.
  • صغر حجم القدمين.
  • فرط لليونة ومرونة الجسم.
  • وجود بقع صغيرة بيضاء اللون (بقع بروشفيلد) داخل القزحية الملونة.
  • قِصر القامة.

بشكلٍ عام قد يمتلك أطفال متلازمة داون جسدًا عاديًا الملامح والمواصفات، غير أن مُعدل نموه يكون بالضرورة أبطأ مقارنةً بالأطفال الأسوياء في نفس العمر.

من حيث الحالة الذهنية؛ فغالبًا ما يُعاني معظم الأطفال المُصابون من:

  • ضعف مُعتدل إلى متوسط الشدة في مُعدل الإدراك.
  • تأخر النطق.
  • تأخر اللغة.
  • خلل بالذاكرة القصيرة الأجل، وكذلك الطويلة الأجل.

قد يهمك ايضًا: زيادة الكهرباء بالمخ لدى الرضع … الأسباب والأعراض وطرق العلاج

أسباب الإصابة بالمتلازمة

متلازمة داون .. الأسباب والأعراض وعوامل الخطر والعلاج

طبيعيًا تحتوي كل خلية من خلايا الجسم البشري على 23 زوجًا من الكروموسومات، يتكون الزوج الكروموسومي الواحد من كروموسوم واحد يأتي من الأب والكروموسوم الآخر يأتي من الأم.

يُصاب الطفل بمُتلازمة داون عندما تنقسم خلايا جسمه بصورة غير طبيعية فيما يتعلق بالكروموسوم رقم 21، لأن هذا الانقسام الخلوي الغير طبيعي يُوجِد نسخة إضافية بشكلٍ كُلي أو بشكلٍ جزئي من الكروموسوم رقم 21، وبالتالي فإن المادة الجينية الإضافية الزائدة عن المُعدل الطبيعي تؤدي إلى ظهور السمات العقلية والجسدية التي تميز مُصابي المتلازمة، كما أنها تكون مسئولة عن مُشكلات النمو أيضًا.

في العادة تتسبب واحدة من ثلاثة اختلافات واختلالات جينية في هذا الانقسام الخلوي الغير طبيعي، ومن ثَم وجود نسخة إضافية من الكروموسوم رقم 21 وصولًا إلى الإصابة بمتلازمة داون، وهذه الاختلافات الثلاثة هي:

التثلث الصبغي رقم 21

هو اختلال جيني مسئولًا عن 95% من حالات الإصابة بمتلازمة داون، ويُعني باختصار امتلاك الطفل ثلاث نسخ مُكررة من الكروموسوم رقم 21 في كل خلية من خلايا جسمه بما يفوق المُعدل الطبيعي المُعتاد وهو نسختين فقط من الكروموسوم، وفي العادة ينجم التثلث الصبغي رقم 21 من خلال انقسام الخلية بشكلٍ شاذ وغير طبيعي أثناء مرحلة نمو الخلية المنوية أو مرحلة نمو خلية البويضة.

متلازمة داون الفسيفسائية

يندر تسبب هذا الاختلال الجيني في الإصابة بمتلازمة داون لندرة حدوثة، وهذا لا ينفي أنه أمرًا واقعيًا وارد الحدوث، ومفاده باختصار أن المُصاب يمتلك بعض خلايا تحتوي على نسخٍ إضافية مُكررة من الكروموسوم رقم 21 وليس كل الخلايا كما الاختلال الجيني السابق، لذلك سُميّ تشبيهًا بقطع الفسيفساء.

حيث يتشكل مزيجًا فسيفسائيًا من خلايا طبيعية وخلايا أخرى شاذة، وعادةً ما يحدث ذلك الخلل نتيجة لانقسام الخلية بشكلٍ شاذ وغير طبيعي في مرحلة ما بعد التخصيب.

التبدل الصبغي

هو ثالث أنواع الاختلافات الجينية التي تتسبب في إصابة الطفل ومفاده أن يغير جزءً من كروموسوم رقم 21 موضعه الطبيعي ليُصبح مُتصلًا بكروموسوم آخر مُختلف، وحينها يمتلك الطفل نسختين طبيعيتين معتاديتين من الكروموسوم رقم 21، بالإضافة إلى مُعدلاتٍ إضافية وراثية من نفس الكروموسوم رقم 21 ولكن مُرتبطة بكروموسومٍ آخر، وفي الغالب يقع هذا الخلل الجيني الشاذ قبل حدوث الحمل أو أثناءه.

فيما عدا هذه الاختلافات الجينية الثلاثة لا يُعرف أي أسبابٍ أو عوامل مهما كان نوعها يُمكن القول بأنها مُباشرة في إصابة الأطفال بمتلازمة داون.

قد يهمك أيضًا: ما مدى خطورة ترجيع الحليب من الأنف أو اختناق الطفل؟

هل متلازمة داون وراثية بالإطلاق؟

متلازمة داون .. الأسباب والأعراض وعوامل الخطر والعلاج

الوصف السابق لأسباب الإصابة بمتلازمة داون يفتح الباب على مصراعيه للسؤال الأهم:

هل يُمكن اعتبار مُتلازمة داون اضطرابًا وراثيًا بحتًا؟!

الجواب ببساطة لا!!

حقيقةً لا يُمكن وصف اضطراب داون بالموروثة، لأنها الإصابة بها تحتمل وجهين، فقد تنجم عن خللٍ وشذوذ في عملية انقسام الخلايا أثناء المراحل الأولى لنمو الجنين فقط.

وقد يُمكن الإصابة بها عبر الانتقال من الآباء إلى الأبناء بالتبدل الصبغي الذي يُعد مسئولًا عن ما يتراوح بين 3% إلى 4% من إجمالي عدد حالات الأطفال المُصابين، ومعه تكون الوراثة من أحد الوالدين.

وتجدر الإشارة إلى أن وراثة الأبناء لمتلازمة داون من أحد الأبوين بالتبدل الصبغي يأتي من وجود بعض المواد الجينية من كرموسوم رقم 21 المُعاد ترتيبها عن كرموسوم آخر عند الأب أو عند الأم، ومن ثَم فإن هذه المواد لا يُمكن اعتبارها صراحةً موادًا جينية إضافية ليتعزز وصف وراثية ويتجلى دون شوائب.

فالحاصل هنا أن الناقل المتوازن للجينات من الأبوين إلى الطفل لا تظهر عليه أي أعراض أو علامات تُنذر باضطراب داون، بل ينقل الأب أو الأم التبدل الصبغي بهذه الصورة الغير مُتوازنة إلى الأبناء فيُصابون هم (أي الأطفال) بمتلازمة داون، وبهذا تُفسر ظاهرة إصابة الطفل لتبدل صبغي منقول من الأب أو من الأم دون أن يكون الأب أو أن تكون الأم يُعانون فعليًا من الإصابة.

العوامل التي تُعزز الإصابة بالمتلازمة

من الناحية الطبية تُطلق عبارة عوامل الخطورة على مجموعة المُكونات التي يُعزز توافرها فرص الإصابة بالمرض. وبالنسبة لمتلازمة داون فإن عوامل الخطورة التي تزيد مُعدلات واحتمالات إصابة الطفل بها ترتبط جميعها بالوالدين.

وتشتمل عوامل خطورة متلازمة داون على:

  • تقدم العمر وتأخر الإنجاب: حيث تزيد فرص إصابة الطفل بالمرض مع تقدم عمر الأم وتأخر سن الإنجاب، ويرجع ذلك إلى أن البويضات التي تُنتج في النساء الأكبر سنًا أكثر عُرضة لاختلالات وشذوذ الانقسام الخلوي وخصوصًا الانقسام الصبغي، وترتفع درجة الخطورة بالإصابة كلما تقدم عمر الأم عن سن 35 عامًا، وهذا لا يُنفي أن إنجاب الأمهات في سن أقل من 35 عامًا قد يحدث معه إصابة الأطفال بمتلازمة داون، وواقعيًا يحدث ذلك بمُعدلاتٍ أكبر خصوصًا مع الحمل والولادة لأكثر من طفل في سنٍ أقل من 35.
  • حمل أحد الوالدين لخلل التبدل الصبغي الجيني، فطالما أن أحد الأبوين يمتلك هذا الخلل فإن نقله للطفل فإصابته بمتلازمة داون واقع لا محالة.
  • إنجاب طفل واحد مُصاب حامل الإصابة مؤشر على ارتفاع احتمالية ولادة أطفالًا آخرين مُصابون بنفس المتلازمة.

قد يهمك أيضًا: تعرفي على سبب ارتفاع درجة حرارة الطفل مع برودة الأطراف

مُضاعفات المتلازمة

متلازمة داون .. الأسباب والأعراض وعوامل الخطر والعلاج

من الوارد أن يُعاني الطفل المُصاب من مجموعة من المُضاعفات الصحية والنفسية والعقلية بفعل المتلازمة، كما أن غالبية هذه المُضاعفات تزداد حدة وخطر كلما تقدم المُصاب في العمر، ومن أبرز المُضاعفات ما يلي:

وجود أمراض أو عيوب خلقية في القلب

تُشير الإحصائيات إلى أن حوالي نصف عدد حالات الأطفال المُصابين بمتلازمة داون يُولدون بنوعٍ أو أكثر من عيوب القلب الخلقية، أو على الأقل بمرض مُزمن فيه، وغالبًا ما تُمثل هذه العيوب والمُشكلات خطرًا مهددًا لحياة الطفل، وقد تتطلب بعضها تدخلًا جراحيًا في مرحلة مُبكرة من طفولة المولود.

الولادة بعيوب الجهاز الهضمي

ويُرمز لها طبيًا بالرمز (GI)، حيث يولد الطفل حامل المتلازمة بتشوه أو أكثر بالجهاز الهضمي، وقد تُسيب هذه التشوهات أعضاء الأمعاء والمريء والقصبة الهوائية والشرج، فضلًا عن زيادة خطر إصابة الطفل بمجموعة من المُشكلات الهضمية الحادة مثل انسداد الجهاز الهضمي أو ارتجاع المريء أو الداء البطني أو حرقة المعدة.

اضطرابات وضعف الجهاز المناعي

فبما أن الإصابة بالمتلازمة لها تأثيراتها السلبية ومُتسببة في حدوث تشوهاتٍ بالجهاز المناعي؛ فإن الأطفال المُصابين بمُتلازمة داون هم الأكثر عُرضة لمخاطر الاضطرابات وضعف المناعة، وبالضرورة ما ينتج عنها مثل أنواع السرطانات المُختلفة والعدوى والالتهابات.

فقدان القدرة على التنفس أثناء النوم

وذلك تبعًا لما يحدث داخل جسم طفل بفعل المتلازمة من تغيراتٍ كثيفة وحادة في الأنسجة الرخوة وهياكل الكتل العظمية، الأمر الذي قد يؤدي إلى سد المجاري الهوائية وإعاقة وصوله إلى الرئتين بالقدر المطلوب، ومن هُنا يُصبح أطفال متلازمة داون – وبالغيها – هم الأكثر عُرضة لخطر الإصابة بما اصطلح عليه طبيًا بـ “انقطاع النفس الإنسدادي النومي”.

السمنة المُفرطة وزيادة الوزن

حيث أثبتت الأبحاث العلمية سهولة ارتفاع وزن جسم المُصابين بوتيرة فائقة السرعة وصولًا للإصابة بالسمنة، وهو ما أكدته أيضًا المشاهدات الواقعية بالعيادات الطبية.

المُشكلات الصحية بالحبل الشوكي

الأشخاص المُصابين هم الأكثر عُرضة للمُعاناة مما يُعرف طبيًا باسم “التقلقل الفهقي القلقلي” أي عدم اتساق الفقرتين العلويتين بالرقبة مع بعضهما البعض، وهو الأمر الذي يزيد احتمالية خطر إصابة الحبل الشوكي نظرًا لفرط تمديد الرقبة.

سرطان الأنسجة المكونة للدم

متلازمة داون .. الأسباب والأعراض وعوامل الخطر والعلاج

وهي الحالة المعروفة طبيًا باسم “ابيضاض الدم، وهي تتضمن أيضًا إصابة نخاع العظم والجهاز اللمفاوي.

الخرف والزهايمر

مصابو متلازمة داون قد تبدأ عليهم علامات وأعراض الخرف أو الزهايمر من عمرٍ مُبكر قد يسبق سن الـ 50 عامًا.

ما سبق من مُضاعفات صحية ونفسية وعقلية واردة الحدوث بصورة كلية أو جزئية، مع كل الأطفال أو مع بعضهم، يجاورها مجموعة أخرى – بديهية – من المُضاعفات والاختلالات الصحية التي تقترن بمتلازمة داون ولا تنفك عنها، أهمها أمراض الغدد الصماء، وأمراض الأسنان، ونوبات الصرع، والتهابات الأذن، ومُشكلات السمع والإبصار.

مع ما سبق كله من الضروري التأكيد على أن دوام وروتينية الرعاية الطبية والتدخل لعلاج الأنسجة إذا لزم الأمر وعند الضرورة؛ يُسهم في استمرارية الحفاظ على نمط حياتي صحي وتوازن للمُصاب.

قد يهمك أيضًا: الأكل الصحي للأطفال وجدول لأهم الفيتامينات المناسبة لصحتهم

العمر المتوقع لمُصاب متلازمة داون

متلازمة داون .. الأسباب والأعراض وعوامل الخطر والعلاج

قديمًا كان لا يُتصور أن يُعمِّر طفل متلازمة داون ولكن في الآونة الأخيرة ارتفعت مُعدلات أعمار المُصابين بفضل التقنيات الطبية والعلاجية المتطورة، وعليه يُتَوَقع مع الالتزام بالعناية والرعاية الطبية والعلاجية والسلوكية والتعليمية أن يعيش المُصاب لما بعد عمر الـ 60 عامًا أو يزيد بحسب شدة الأعراض والمُضاعفات الناجمة عن المتلازمة.

سبل الوقاية

واقعيًا لا توجد أي طُرق أو سائل بمقدورها الوقاية من إنجاب طفلٍ مُصاب بمتلازمة داون طالما توافرت الأسباب والعوامل لذلك، وكل ما يُمكن فعله هو أن يلجأ الآباء المُتحقق فيهم عوامل الخطورة قبل التفكير في الحمل إلى استشاري في الأمراض الوراثية، حيث سيُساعدهم الاستشاري في فهم طبيعة مُتلازمة داون وأعراضها ومُضاعفاتها، كما سيتمكن من خلال التوصية بفحوصاتٍ جينية مُتخصصة من توقع نسبة احتمال إصابة الطفل.

آليات تشخيص الإصابة

أوصت الكلية الأمريكية لأطباء النساء والتوليد بمجموعة من الفحوصات والاختبارات الواجب اجراءها لكافة الحوامل وبعض المواليد مهما كان عمر الحامل أو طبيعية الولادة، والحاكم الرئيس هُنا هو مدى توافر عوامل الخطورة.

مع العلم أن كل هذه الفحوصات والاختبارات الموصى بها مُفيدة في الإشارة إلى احتمالية الحمل بطفلٍ مُصاب بمتلازمة داون، غير أنها غير جازمة أو دقيقة في تحديد ما إن كان الجنين المُتكون بالرحم مُصاب فعليًا أم لا.

بغض النظر عن إمكانية تحديد حالة الجينين من عدمه؛ فإن اجراء الفحوصات والاختبارات التشخيصية ضروري ومُهم وتتعدد مزاياه، لذلك لا يصح التغافل أو التقصير في عدم أداءها حتى وإن لم توصلنا لنتائج يقينية طالما أن عوامل الخطورة مُتوافرة.

قد يسبق حدوث الحمل مجموعة من الفحوصات الجينية التي يوصي بها استشاري الأمراض الوراثية، ولكن المَعْنِيٌّ به في السطور القادمة هو الفحوصات والاختبارات المطلوبة عقب التثبت من حدوث الحمل وعقب ولادة الطفل، وهي تنقسم إلى فحوصات واختبارات تُجرى على الأم أثناء الحمل، وأخرى على المولود فور ولادته، وتنقسم إلى:

اختبارات وفحوصات الأم أثناء الحمل

متلازمة داون .. الأسباب والأعراض وعوامل الخطر والعلاج

ذكرنا أن مجموعة الفحوصات والاختبارات التشخيصية التي تُجرى على الحوامل أثناء الحمل قد لا تكون مؤكدة لإصابة الجنين الفعلية بمتلازمة داون، ولكن يُمكن اعتبارها من مُقومات الرعاية الروتينية العادية لفترة ما قبل الولادة؛ لتحديد مدى خطر الحمل بجنين سيُعاني من متلازمة داون، كما أنها ذات فوائد عظمى في المُساعدة على اتخاذ قرارات تنفيذية جادة نحو اجراء مزيدًا من الاختبارات التشخيصية الأكثر دقة والأكثر تحديدًا.

عادةً ما تشتمل اختبارات متلازمة داون المُجراه على الحوامل على فحوصات الاختبار المجمع لثلث الحمل الأول، واختبارات الفحص المُتكامل.

أولًا: فحوصات الاختبار المجمع لثلث الحمل الأول

وهي تشمل نوعين رئيسيين من الفحوصات مُشتملة على أنواعٍ فرعية أخرى، والرئيسيين كالتالي:

فحوصات الدم: التي تهدف إلى قياس مستويات بروتين البلازما من النوع A، وكذلك قياس هرمون الحمل المعروف طبيًا باسم “موجهة الغدد التناسلية المشيمية البشرية” ويُرمز له بالأحرف (HCG)، وتُفيد هذه المُعدلات حال اختلالها عن المُعدلات الطبيعية في الإشارة إلى وجود أي مُشكلاتٍ صحية أو إنمائية بالجنين.

اختبار الشفافية القفوية: ويُستخدم فيه أجهزة الموجات فوق الصوتية، ويهدُف إلى تصوير وقياس المنطقة الموجودة بالجزء الخلفي من رقبة الجنين وهو داخل رحم أمه، ومفاد اختبار فحص الشفافية القفوية بيان وجود أي تشوهات بداخل نسيج هذا الجزء من الرقبة أو وجود سوائل زائدة عن المُعدلات الطبيعية في ذات المنطقة وصولًا إلى وجود تجمعات للسوائل بداخلها.

تجدر الإشارة إلى أن المعلومات والبيانات والنتائج المُستقاه من هذين الفحصين (فحص الدم، فحص الموجات فوق الصوتية للرقبة) بجانب المعلومات عن عمر الأم وحالتها الصحية تُساعد أخصائي الأمراض الوراثية في تقدير احتمالية خطورة ولادة الطفل بمتلازمة داون.

قد يهمك أيضًا: اللوكيميا عند الاطفال هل بإمكاننا التغلب عليه؟

ثانيًا: اختبارات الفحص المُتكامل

وهي مجموعة من الفحوصات المُتكاملة التي يتم اجراءها على مرحلتين زمنيتين هما الثلث الأول والثلث الثاني من الحمل، وذلك على النحو التالي:

فحوصات الثلث الأول من الحمل: وتتضمن اختبارات مُختلفة ودقيقة للدم لقياس مُعدلاتٍ شتى لمُركباتٍ مُختلفة.

فحوصات الثلث الثاني من الحمل: وهي بالأساس فحص رباعي يهدف إلى قياس مُعدلات ومُستويات أربعة موادٍ مُختلفة موجودة بالدم وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالحمل، وهي مواد الألفا فيتوبروتين، والإستريول، والإنهيبين من النمط A، وموجهة الغدد التناسلية المشيمية البشرية (HCG).

إذا ما جاءت نتائج ما سبق من اختباراتٍ وفحوصاتٍ غير طبيعية أو إيجابية يتعزز تشخيص خطر إنجاب طفل متلازمة داون بصورة كبيرة، وبالتالي يوجه الأطباء إلى إجراء مزيدًا من الفحوصات والاختبارات لمزيدٍ من التأكيد أو لنفي التشخيص من الأساس وتقليل وتيرة التوتر والقلق.

وبذلك تنبثق عن الفحوصات السابقة مجموعة أخرى من الفحوصات والاختبارات، التي تحدد بصورة أكبر هل الجنين يُعاني فعلًا من متلازمة داون أم لا، ومن أهم الفحوصات المنبثقة ما يلي:

فحص CVS: أي اختبار عينة من خلايا المشيمة، حيث تُستخدم خلايا المشيمة في تحليل الكروموسومات الجينية وما يشوبها من اختلالاتٍ أو اختلافات، مع العلم بأن هذا الفحص يلزم اجراءه خلال الفترة ما بين الأسبوع العاشر إلى الثالث عشر من عمر الحمل، ونشير إلى أن ما يُشاع عن أن الاختبار يزيد من خطر الإجهاض وفقدان الجنين لا صحة له، لأن الإجهاض مع أخذ عينة من المشيمة احتمال متدني الحدوث.

فحص بزل السلى: حيث تُسحب عينة من السائل الذي يحيط بالجنين والمعروف باسم السائل السَلَويّ، وذلك من خلال إدخال إبرة شفط إلى داخل الرحم وسحب عينة من السائل، وتفيد هذه العينة من فحص وتحليل الكروموسومات الجينية عند الجنين، مع العلم بأن هذا الفحص عادةً ما ينفذه الأطباء خلال الأسبوع الخامس عشر من عمر الحمل، مع العلم أيضًا بأن خطورة الإجهاض واقعة رغم أنها ضعيفة نوعًا ما.

اختبارات وفحوصات المولود

عقب الولادة مُباشرةً – أو لنقول بعد تعافي المولود من إرهاق الولادة – يبدأ الأطباء في فحص المولود واجراء عناصر التشخيص الأوَّلي المُحددة لتوافر الإصابة بمُتلازمة داون من عدمها، وهي عناصر تتعلق بشكلٍ كبير بمظهر المولود وملامحه الجسدية، إلى جانب التدقيق في البحث عن السمات والخصائص الخاصة بمتلازمة داون عند الأطفال.

بالإضافة إلى إمكانية اجراء اختبار مُتخصص يُعرف طبيًا باسم “اختبار النمط النووي الكروموسومي”، وهو عبارة عن سحب عينة من دم المولود وتحليلها معمليًا لفحص الكروموسومات الجينية عنده، وإذا ما أشارت النتائج إلى وجود نسخ إضافية كلية أو جزئية من كروموسوم رقم 21 بكل خلايا الطفل أو ببعضها فقد تأكد التشخيص تمامًا، ويُحدد الأطباء مُجريات ومراحل العلاج القادمة.

قد يهمك أيضًا: كيف يؤثر ظهور الوحمات لدى الأطفال حديثي الولادة على الطفل؟

علاج متلازمة داون

متلازمة داون .. الأسباب والأعراض وعوامل الخطر والعلاج

هذا الملف الشامل عن متلازمة داون يوضح الصورة الكاملة عن الاضطراب، ومما يوضحه جليًا عدم وجود علاج نهائي للاضطراب، فالحل الأمثل هُنا يتمثل في تدخل المُتخصصون مُبكرًا وتنفيذ برامجهم الأكاديمية بدقة، وهو الاجراء الذي يصنع فارقًا كبيرًا في نوعية حياة الطفل وجودتها تعزيزًا لقدراته العقلية والإدراكية والحركية، خصوصًا وأن لكل طفلٍ مُصاب احتياجاته الفردية التي لا تتشابه مع مُصابين آخرين بنفس الاضطراب.

جدير القول أن تنفيذ وتطبيق العناصر العلاجية الهادفة إلى رفع قدرات مُصاب متلازمة داون الذهنية والعقلية والإدراكية وتطوير مهاراته العلمية والحياتية لا يستطيعه شخص واحد أو تخصص وحيد، ومن ثَم فإن فريق الرعاية المسئول عن حالة الطفل يتكون من خبراء في تخصصات مُختلفة، وذلك على النحو التالي:

  • أخصائيو أطفال من الأطباء في تخصصات: الرعاية الأولية، القلب، الجهاز الهضمي، الغدد الصماء، النمو، أعصاب، أنف وأذن وحنجرة، عيون.
  • أخصائي قدرات سمعية.
  • أخصائي تخاطب.
  • أخصائي علاج طبيعي وفيزيائي.
  • أخصائي علاج مهني.
  • فريق مُتخصص من المعلمين المحترفين في تقديم الخدمات التعليمية للأطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة ومنهم أطفال متلازمة داون.

دور الأهل في العلاج والدعم

متلازمة داون .. الأسباب والأعراض وعوامل الخطر والعلاج

الوالدان يحتاجان إلى دعم وتأهيل لمواجهة المشاعر المضطربة لديهما من غضب وخوف وقلق وحزن لحالة طفلهم المُصاب بمتلازمة داون، لذلك قد يوفر لهم فريق الرعاية مجموعات مُتخصصة أو مُتخصصين في مثل هذه الأمور.

وعلى الجانب الآخر، مطلوب من الوالدين دعم وأقلمة طفلهم للتعامل مع حالته الصحية وظروفه المعيشية، لذلك يُلقى على عاتقهم توفير الكثير من الاحتياجات الأساسية وسُبل الرعاية الخاصة، والأهم والأولى الأجواء النفسية المُريحة للطفل والمُساعدة على تطوير مهاراته وقدراته الحركية واللغوية والإدراكية والاجتماعية وتنميتها بشكلٍ صحيح.

فضلًا عن دورهما في تشجيع الطفل على المُشاركة في الأنشطة الاجتماعية والترفيهية، إلى جانب تخطيط الرحلات والأُمسيات العائلية والخروج إلى المُتنزهات والشواطئ.

كما ان عليهما دورًا في تعزيز وتشجيع استقلالية الطفل، لما لذلك من دور مُهم في استعداد طفل متلازمة داون للانتقال من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ بمتطلباتها الاجتماعية والنفسية والسلوكية والجنسية.

مُعاناة طفلك من متلازمة داون لا تمثل نهاية العالم أو مُنتهى الكون، كما أنها لا تُعد مسارًا لندب الحظ أو الحزن المُستمر؛ فمع التقنيات العلاجية الحديثة أصبح بمقدور طفل متلازمة داون العيش بسلامٍ وتحقيق إنجازات حياتية وتعليمية وموهبية مُتقدمة، بشرط الرعاية الصحيحة والدعم النفسي والأسري الصحيح، مع عدم إشعار الطفل المُصاب بأنه الأقل في كل شيء مقارنةً بأقرانه الأسوياء.

للمزيد: مراحل تطور الطفل الطبيعي بعد الولادة من عمر اليوم إلى العامين

عدد ساعات النوم التي يحتاجها الطفل حديث الولادة

تعرفي على سبب بكاء الطفل أثناء النوم وعلاجه

قد يعجبك ايضا